السيد عبد الله الشبر
102
تسلية الفؤاد في بيان الموت والمعاد
فصل : وليس ينزل الملكان إلّا على حي ، ولا يسألان إلا من يفهم المسألة ويعرف معناها ، وهذا يدل على أن اللّه تعالى يحيي العبد بعد موته للمساءلة ويديم حياته بنعيم إن كان يستحقه أو بعذاب إن كان يستحقه - نعوذ باللّه من سخطه ونسأله التوفيق لما يرضيه برحمته - والغرض من نزول الملكين ومساءلتهما العبد أن اللّه يوكل بالعبد بعد موته ملائكة النعيم وملائكة العذاب ؛ وليس للملائكة طريق إلى علم ما يستحقه العبد إلا بإعلام اللّه تعالى ذلك لهم ، والملكان اللذان ينزلان على العبد أحدهما من ملائكة النعيم والآخر من ملائكة العذاب ، فإذا هبطا لما وكلا به استفهما حال العبد بالمساءلة ، فإن أجاب بما يستحق به النعيم قام بذلك ملك النعيم وعرج عنه ملك العذاب ، وإن ظهرت فيه علامة استحقاقه العذاب وكلّ به ملك العذاب وعرج عنه ملك النعيم . وقد قيل : إن الملائكة الموكلين بالنعيم والعقاب غير الملكين الموكلين بالمساءلة ، وإنما يعرف ملائكة النعيم وملائكة العقاب ما يستحقه العبد من جهة ملكي المساءلة ، فإذا ساءلا العبد وظهر منه ما يستحق به الجزاء تولى منه ذلك ملائكة الجزاء وعرج ملكا المساءلة إلى مكانهما من السماء ، وهذا كله جائز ولسنا نقطع بأحد دون صاحبه ، إذ الأخبار فيه متكافئة والعادة لنا في معنى ما ذكرناه التوقف والتجويز . فصل : وإنما وكّل اللّه تعالى ملائكة المساءلة وملائكة العذاب والنعيم بالخلق تعبدا لهم بذلك ، كما وكّل الكتبة من الملائكة عليهم السّلام بحفظ أعمال الخلق وكتبها ونسخها ورفعها تعبدا لهم بذلك ، وكما تعبد طائفة من الملائكة بحفظ بني آدم ، وطائفة منهم بإهلاك الأمم ، وطائفة بحمل العرش ، وطائفة بالطواف حول البيت المعمور ، وطائفة بالتسبيح ؛ وطائفة بالاستغفار للمؤمنين ، وطائفة بتنعيم أهل الجنة ، وطائفة بتعذيب أهل النار والتعبد لهم بذلك ليثيبهم عليها ، ولم يتعبد اللّه الملائكة بذلك عبثا كما لم يتعبد البشر والجن بما تعبدهم به لعبا ، بل تعبد الكل للجزاء وما تقتضيه الحكمة من